الجاحظ
276
رسائل الجاحظ
ويسمي نفسه له أبا ، لأنه شبيه ولده ، وقد يولد لمثله مثله . وليس بين الكلاب والبشر أرحام ، فإذا كان شبه الإنسان أبعد من اللّه تعالى من شبه الجرو بالإنسان ، كان اللّه أحق بألّا يجعله ولده ، وينسبه إلى نفسه . قلنا لإبراهيم النظام عند جوابه هذا وقياسه الذي قاس عليه ، في المعارضة والموازنة بين قياسنا وقياسه : أرأيت كلبا ألف كلابه ، وحامى وأحمى دونه ، هل يجوز أن يتخذه بذلك كله خليلا ، مع بعد التشابه والتناسب ؟ فإذا قلنا : لا . قلنا : فالعبد الصالح أبعد شبها من اللّه من ذلك الكلب المحسن إلى كلابه ، فكيف جاز في قياسك أن يكون اللّه خليل من لا يشاكله لمكان إحسانه ، ولا يجوز للكلاب أن يسمي كلبه خليلا أو ولدا لمكان حسن تربيته له ، وتأديبه إياه ، ولمكان حسن الكلب وكسبه عليه ، وقيامه مقام الولد الكاسب والأخ ، والبار . والعبد الصالح لا يشبه اللّه في وجه من الوجوه ، والكلب قد يشبه كلابه لوجوه كثيرة ، بل ما أشبهه به مما خالفه فيه ، وإن كانت العلة التي منعت من تسمية الكلب خليلا وولدا أبعد شبهة من الإنسان . فلو قلتم : فما الجواب الذي أجبت فيه ، والوجه الذي ارتضيته ؟ قلنا : إن إبراهيم صلوات اللّه عليه ، وإن كان خليلا ، فلم يكن خليله بخلة كانت بينه وبين اللّه تعالى ، لأن الخلة والإخاء والصداقة والتصافي والخلطة وأشباه ذلك منفية عن اللّه تعالى عز ذكره ، فيما بينه وبين عباده ، على أن الإخاء والصداقة داخلتان في الخلة ، والخلة أعم الاسمين ، وأخص الحالين . ويجوز أن يكون إبراهيم خليلا بالخلة التي أدخلها اللّه على نفسه وماله ، وبين أن يكون خليلا [ بالخلة وأن يكون خليلا ] بخلة بينه وبين ربه - فرق ظاهر - وبون واضح . وذلك أن إبراهيم عليه السلام اختل في اللّه تعالى اختلالا لم يختلله أحد قبله . لقذفهم إياه في النار ، وذبحه ابنه ، وحمله على ماله في الضيافة والمواساة والأثرة . وبعداوة قومه ، والبراءة من أبويه في حياتهما ، وبعد موتهما ، وترك وطنه ، والهجرة إلى غير داره ومسقط رأسه . فصار لهذه الشدائد مختلا في اللّه ،